جنازة زوجي

لمحة نيوز

الضلمة ورا الفيلا كانت واقفة عربية شاهين قديمة ومطفية نورها.
السواق نزل الشباك.
كان عم عماد.
قال بسرعة ولهفة
اركبي يا أم أحمد... الحاج محمود الله يرحمه كان موصيني آجي فوراً لو حصل أي حاجة.
حسيت إن الأرض بتميد تحت رجليا.
وسألته وصوتي بيرتعش
عم عماد... أنت عارف جوزي فين؟
بس عم عماد ما ردش.
بص ورايا ووشه اتخطف.
لفيت راسي.
لقيت أحمد يادوب لسه خارج وجري على الجنينة الورانية.
وأول ما شافني زعق بصوت عالي
أمي... اقفي عندك!
طرت جوة العربية.
وداس بنزين وطلعنا بأقصى سرعة بعيد عن البيت.
وبينما كانت أنوار الشارع بتختفي ورا الشباك شوية بشوية...
الموبايل اتهز للمرة الأخيرة في الليلة دي.
بصيت على الشاشة.
كانت رسالة جديدة.
قصيرة جداً... تلات كلمات بس
ما تسأليش دلوقتي.
فضلت متنحة في الكلمات ومش قادرة أنطق.
وعقلي ما فيهوش غير سؤال واحد بس بياكل في دماغي...
لو كان محمود هو اللي بيبعت الرسايل دي...
أمال مين اللي احنا لسه دفنينه في المقابر الصبح؟!
العربية كانت بتجري في الشوارع الفاضية، وأم أحمد قاعدة في الكنبة الخلفية، ماسكة الموبايل بإيد، ورسالة ما تسأليش دلوقتي بإيد تانية.
قلبها كان بيدق بعنف.
وكل ما تبص من الشباك تشوف نور بيتها بيبعد أكتر.
بيت عاشت فيه أربعين سنة.
وفجأة بقى مكان بتخاف منه.
بعد حوالي عشرين دقيقة، عم عماد دخل شارع ضيق قديم ووقف قدام بيت صغير.
نزل بسرعة وقال
انزلي يا أم أحمد... هنا محدش هيفكر يدور عليكي.
دخلت البيت وهي تايهة.
المكان بسيط جدًا.
لكن أول ما دخلت الصالة، اتجمدت.
على الحائط كانت صورة كبيرة لمحمود.
حديثة.
متصورة من شهور قليلة بس.
وكأن صاحب البيت كان بيتابعه لحد آخر يوم.
لفت ناحية عم عماد.
البيت ده مين صاحبه؟
عم عماد بلع ريقه.
وبعدين قال
الحاج محمود.
اتسعت عيونها.
إيه؟
اشتراه من تلات سنين.
وليه؟
معرفش.
بس
كان بيجي هنا كل أسبوع تقريبًا.
في اللحظة دي...
الموبايل رن.
رقم مجهول.
أم أحمد ردت فورًا.
لكن المرة دي محدش اتكلم.
كل اللي سمعته كان صوت أنفاس.
وبعدين...
صوت محمود.
واضح.
وحقيقي.

لدرجة إنها شهقت.
أم أحمد...
الدم جمد في عروقها.
محمود؟!
الصوت رد
اسمعيني كويس.
إنت فين؟
مفيش وقت.
إنت عايش؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
اللي اتدفن مش أنا.
أم أحمد حسيت إن الدنيا اسودت قدامها.
لكن قبل ما تسأل...
المكالمة اتقفلت.
فضلت تبص للموبايل كأنها فقدت القدرة على التفكير.
أما عم عماد...
فكان وشه شاحب.
واضح إنه سمع جزء من الكلام.
وقال
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
لفت له بسرعة.
إنت تعرف إيه؟
تنهد.
وقعد على الكرسي.
وقال
قبل شهر من اختفاء الحاج محمود، طلب مني أجهز المكان ده.
اختفاء؟!
أيوه.
يعني إيه اختفاء؟
عم عماد سكت ثواني.
ثم قال
آخر مرة شفته فيها كان مرعوب.
أكتر ما شفته مرعوب طول عمري.
قال لي
لو جرالي حاجة... أو لو اختفيت فجأة... خلي بالك من أم أحمد.
أم أحمد قعدت ببطء.
وحست إن رجليها مش شايلينها.
اختفى إزاي؟
معرفش.
في اليوم اللي قالوا فيه إنه مات...
أنا أصلًا كنت مستني مكالمة منه.
لكن ماجتش.
البيت غرق في الصمت.
ثم فجأة...
سمعوا صوت حاجة وقعت فوق السطح.
عم عماد انتفض واقف.
مين هناك؟
صوت الخطوات رجع تاني.
أسرع.
أقرب.
كأن حد بيتحرك فوقهم.
أم أحمد قبضت على ذراع الكرسي.
وفي اللحظة دي...
وصلت رسالة جديدة.
لكن المرة دي مش من الرقم المعتاد.
رقم مختلف تمامًا.
فتحتها.
وكان فيها صورة.
صورة التقطت منذ دقائق.
لها هي وعم عماد وهما داخلين البيت.
اتجمد الدم في عروقها.
وتحت الصورة مكتوب
لقيناكم.
عم عماد خطف الموبايل من إيدها.
وشه اصفر.
وقال
لازم نمشي حالًا.
لكن قبل ما يكمل...
اتكسر زجاج الشباك بعنف.
ودخل حجر ملفوف بورقة.
وقع في نص الصالة.
الثنين وقفوا مكانهم.
أم أحمد قربت ببطء.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب بخط كبير
الملف الأزرق معاكم؟
لأننا هنرجع
ناخده.
وفي آخر السطر...
كانت جملة خلت قلب أم أحمد يقف للحظة
واسألي محمود بنفسك لما تشوفيه.
رفعت رأسها ببطء.
وبصت لعم عماد.
ولأول مرة من بداية الكابوس كله...
بدأت تصدق إن محمود فعلًا قد يكون حيًا.
لكن السؤال المرعب كان
إذا كان محمود حيًا...
فلماذا اختفى؟
ومن الشخص
الذي دُفن بدلًا منه؟!أم أحمد فضلت ماسكة الورقة بإيد مرتعشة.
كل الأسئلة كانت بتدور في دماغها في نفس الوقت.
محمود حي؟
طيب فين؟
وليه مستخبي؟
ومين الشخص اللي اتدفن مكانه؟
وقبل ما تقدر تستوعب أي حاجة، عم عماد شدها من إيدها وقال
لازم نتحرك حالًا.
ونروح فين؟
للمكان اللي الحاج محمود قال عليه.
فيه مكان تاني؟
عم عماد هز رأسه.
وبعدين طلع مفتاح صغير من جيبه.
كان مديهولي من سنة تقريبًا.
وقال ما افتحوش إلا لو حصلت مصيبة كبيرة.
أم أحمد بصت للمفتاح.
وقلبها دق أسرع.
واضح إن محمود كان مجهز لكل حاجة من زمان.
خرجوا من البيت الخلفي بسرعة.
وركبوا العربية.
لكن قبل ما يتحركوا...
لمحت أم أحمد عربية سودا واقفة آخر الشارع.
مطفية نورها.
لكنها كانت واضحة.
والأخطر...
إنها بدأت تتحرك أول ما تحركوا.
عم عماد شافها في المراية.
ووشه اتغير.
مسكونا.
مين؟
معرفش... بس بقالهم يومين بيراقبوا المنطقة.
ضغط على البنزين.
والعربية انطلقت في الشوارع الجانبية.
العربية السودا وراهم.
لف يمين.
لفت وراه.
لف شمال.
لفت وراه برضه.
ما بقاش فيه شك.
حد بيتعقبهم.
أم أحمد كانت ماسكة الموبايل بقوة.
وفجأة وصلتها رسالة جديدة.
متخافيش.
خلي عم عماد يروح للمخزن 12.
شهقت.
الرسالة جات.
عم عماد خطف نظرة للموبايل.
وفجأة ابتسم لأول مرة.
يبقى الحاج محمود لسه متابع.
بعد حوالي نص ساعة...
وصلوا لمنطقة مخازن قديمة على أطراف المدينة.
المكان مهجور.
ومظلم.
والهواء فيه ريحة تراب وحديد قديم.
وقفوا قدام باب كبير عليه رقم 12.
عم عماد طلع المفتاح.
وأدخله في القفل.
القفل اتفتح.
بصعوبة.
صوت صرير الباب دوى في المكان كله.
دخلوا.
والغريب إن المخزن كان فاضي تقريبًا.
إلا من مكتب واحد قديم في المنتصف.
وفوق المكتب...
كان فيه جهاز لابتوب.
شغال.
رغم إن المكان مهجور.
أم أحمد قربت ببطء.
الشاشة كانت مفتوحة على فيديو متوقف.
وفوقه رسالة
أم أحمد... لو وصلتي هنا، يبقى لسه عندنا أمل.
دموعها نزلت فورًا.
ده أسلوب محمود.
طريقته في الكلام.
ضغطت تشغيل.
وظهر محمود على الشاشة.
لكن المرة دي
شكله مختلف.
مرهق.
وعينيه مليانة خوف.
قال
لو بتشوفي الفيديو ده... يبقى أنا اختفيت بالفعل.
أم أحمد حطت إيدها على قلبها.
ومحمود كمل
أنا ما هربتش.
أنا كنت بحاول أحميكم.
فجأة...
انفتح باب المخزن بعنف من الخلف.
الجميع لف بسرعة.
ودخل شخص واحد.
واقف في الضلمة.
ملامحه مش واضحة.
لكن صوته كان واضح جدًا.
صوت مألوف.
صوت تعرفه أم أحمد كويس.
كويس جدًا.
لدرجة إنها شهقت.
الشخص قال بهدوء
للأسف يا أمي... وصلتي أبعد مما كان لازم توصلي.
النور وقع على وشه.
وأم أحمد حست إن قلبها وقف.
لأن الشخص اللي واقف قدامها...
ماكانش غريب.
وماكانش عدو.
كان ابنها...
أحمد.
لكن الصدمة الأكبر...
إنه ماكانش لوحده.
خلفه مباشرة...
كان واقف رجل كبير في السن.
رجل لم تره أم أحمد منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة.
رجل كانت العائلة كلها تظنه ميتًا.
وأول ما وقعت عينها عليه...
همست بصوت مخنوق
مستحيل...
أنت؟!أم أحمد رجعت خطوة لورا.
إيديها كانت بتترعش.
وعينيها مثبتة على الراجل الكبير الواقف ورا أحمد.
ملامحه اتغيرت بفعل السنين...
لكنها عرفته.
عرفته من أول نظرة.
همست
عادل؟!
الراجل رفع عينه ناحيتها ببطء.
وكانت نظراته مليانة حزن أكتر من أي حاجة تانية.
عادل...
أخو محمود الأكبر.
الراجل اللي اختفى من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
والكل اقتنع وقتها إنه مات في حادث سفر.
أحمد بص لأمه وقال
أرجوكي اسمعينا للآخر.
لكن أم أحمد كانت في حالة صدمة.
إزاي؟!
إنت مشيت من عمر!
وإحنا عملنالك عزاء!
عادل تنهد.
وقال
لأن ده كان المطلوب وقتها.
الغرفة
كلها سكتت.
حتى عم عماد كان مصدوم.
أحمد قرب خطوة.
يا أمي... الموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي.
لكن أم أحمد كانت تبص حواليها بجنون.
فين أبوك؟
قولولي فين محمود!
في اللحظة دي...
شاشة اللابتوب اللي كانت شغالة اتغيرت لوحدها.
والفيديو رجع يشتغل.
وظهر محمود.
قال
لو وصلتي للمرحلة دي يا أم أحمد... يبقى

قابلتي عادل.
أم أحمد شهقت.
أما عادل فخفض رأسه.
ومحمود كمل
أعرف إنك دلوقتي مش فاهمة حاجة.
بس لازم تعرفي إن عادل ما خاناش.
ولا هرب.
ولا مات.
هو
ضحى بحياته القديمة كلها عشان يحمي ناس كتير.
أم أحمد كانت بتسمع وقلبها بيخبط بقوة.
والأهم...
أحمد ومصطفى مش أعدائي.
الجملة نزلت كالصاعقة.
أم أحمد بصت ناحية أحمد.
وأحمد نزل عينه للأرض.
أما محمود فأكمل
أنا اللي طلبت منهم يمثلوا عليكي.
الصمت ضرب المكان.
أم أحمد حسّت إن الأرض بتسحبها.
إيه؟!
الفيديو كمل
عارف إنك هتزعلي مني.
لكن لو
تم نسخ الرابط