جوزي كان بيسيبيني اطبخ
بعد نص ساعة، وقفت قدام بيت أبويا.
اللي لسه طالع من المستشفى.
نزلت ودخلت.
أول ما شافني، بصلي بنظرة فاهمة من غير ما أتكلم.
حصل إيه؟
سكت.
مش عشان مش عارفة أقول
لكن عشان لو بدأت، مش هقف.
قعدت على الكرسي وبصيت
للأرض
أنا سيبت البيت يا بابا.
هو ما اتفاجئش كأنه كان مستني اليوم ده من زمان.
بس اللي اتغير فجأة هو صوت تليفوني.
رن.
أحمد.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين رسالة
ارجعي الناس لسه عندنا.
قفلت الموبايل.
بس بعد دقايق الباب خبط.
بقوة.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
أبويا بصلي وقال بهدوء
مش هيفضل سايبك دقيقة واحدة على راحتك.
وقبل ما أرد
الصوت اللي برا على السلم علا
افتحي يا مراتي الناس كلها مستنياكي في العزومة!
سكت البيت كله.
وأنا بصيت لباب الشقة
وعارفة إن اللي جاي مش مجرد خناقة
ده صدام هيفضح كل اللي مستخبي من سنينأبويا قام ببطء من مكانه، واقترب من الباب من غير ما يتكلم، كأنه بيقيس الموقف بعقله قبل قلبه.
الخبط زاد.
وصوت أحمد بقى أعلى
افتحي يا بابا الموضوع مش مستاهل كل ده!
أبويا رد بهدوء، بس نبرة صوته كانت تقيلة
اللي برّه ده مش ضيف ده جاي يكمل إهانة.
سكت لحظة، وبعدين فتح الباب فجأة.
أحمد كان واقف فعلاً بس مش لوحده.
وراُه كانت حماتي، وأخت جوزي، واتنين من الرجالة من العيلة، كأنهم جايين يسترجعوا حقهم في البيت.
أول ما شافوا أبويا، اتغيرت ملامحهم شوية.
لكن أحمد حاول يثبت نفسه
إحنا جايين نحل الموضوع بهدوء.
أبويا ابتسم بسخرية خفيفة
هو فين الهدوء في إنكم تيجوا بيت مريض وتجروا مراته غصب؟
أحمد لف ناحيتي وقال
إنتِ مكبرة الموضوع كل ده عشان جمعة؟
ساعتها أنا وقفت.
مش وقفة غضب وقفة حد قرر يتكلم لأول مرة
من سنين.
مش عشان جمعة.
سكتوا كلهم.
كملت وأنا بصاليه مباشرة
عشان 4 سنين وأنا مش مراتي أنا مطبخ شغال.
حماتي اتدخلت بسرعة
عيب الكلام ده!
لفيت ناحيتها
واللي حصل سنين مش عيب؟ ولا عادي طالما
فكر فيها.
هو قال بصوت أهدى
طب أنا كنت غبي
هزيت راسي بسرعة
مش غبي كنت مستريح.
الجملة دي خبطته أكتر من أي حاجة.
أبويا تحرك خطوة لقدام وقال بهدوء
اللي بيستريح على حساب غيره بيخسر في الآخر حتى لو متأخر.
أحمد بصله وبعدين بصلي
طب أعمل إيه دلوقتي؟
وقفت قدامه تاني.
بس المرة دي مفيش ارتباك.
أول حاجة ما تطلبش إني أرجع.
سكت لحظة.
وبعدين كملت
لأن الرجوع مش قرارك لوحدك ولا كان قرارك في البداية أصلاً.
وشه اتغير.
حسيت لأول مرة إنه بيستوعب إن الموضوع مش زعل وبيتصلح.
ده حياة
اتبنت غلط من الأساس.
هو قال بصوت واطي
يعني خلاص؟
سكت.
والسكوت كان أطول إجابة.
لكن قبل ما أتكلم
كان في حاجة جوايا بتتغير فعلاً حاجة بتبدأ تفهم إن النهاية دي مش خسارة دي بداية مختلفة تمامًابصّيت له آخر مرة نظرة طويلة من غير غضب ومن غير دموع.
مش خلاص بس كفاية اللي كان.
الجملة خرجت هادية، لكن قفلت باب سنين كاملة.
أحمد ما اتكلمش في الأول. كأنه كان مستني كلمة تانية تنقذ الموقف، أو ترجّع الزمن مكانه. لكن مفيش زمن بيرجع.
أبويا قرب مني وحط إيده على كتفي
إنتِ اللي تقرري
طريقك.
هزّيت راسي.
أنا قررت.
بصيت لأحمد
هنمشي في إجراءات الانفصال بهدوء من غير خناقات، ومن غير ما نكسر أكتر من كده.
وشه اتشد، بس المرة دي ما اعترضش. كان باين عليه إنه فاهم إن أي مقاومة دلوقتي هتبقى متأخرة ومؤذية أكتر.
وأنا مش ضدك أنا بس بقيت ضد فكرة إني أعيش وأنا مش موجودة.
سكت.
وبعدين قال بصوت مكسور
أنا خسرتك.
رديت بهدوء
إنت ما خسرتنيش إنت ما كنتش شايفني من البداية.
دي كانت آخر جملة بينا.
وقف لحظة، كأنه عايز يقول حاجة، لكن الكلام ما طلعش.
لفّ وخرج.
والمرة دي
مفيش عزومة كانت مستنياه، ولا صوت صالون، ولا حد بينادي.
الباب اتقفل.
لكن الغريب
إن قلبي ما اتكسرش أكتر.
كان بيتصلّح.
عدت أيام بعدها، والهدوء في بيت أبويا كان جديد عليّا هدوء مفيهوش أوامر ولا توقعات ولا مطبخ لازم يخلص.
كنت قاعدة في البلكونة، الشمس داخلة خفيفة، وموبايل ساكت لأول مرة.
أبويا جه قعد جنبي وقال
عارفة إيه الفرق بين اللي بيكمل واللي بيبدأ؟
إيه؟
إن اللي بيبدأ بيكون لأول مرة عايش لنفسه.
ابتسمت.
ولأول مرة من سنين، ماكنتش شايلة حد، ولا مستنية رضا حد، ولا خايفة
من يوم جمعة.
بس كنت مستنية نفسي.
والمرة دي كنت جاية فعلاً.