جوزى عنده محل بقاله فى بيت عيله لمنى السيد

لمحة نيوز

شاف الزحمة وسامع أمه بتولول، دخل المحل بزعيق ودفعني في كتفي وقال إنتي اتجننتي يا بت أنتي؟ بتطردي أمي من المحل؟ والله ما أنتي قاعدة فيها دقيقة واحدة، اطلعي برة وقفلي الدكان ده، إحنا اللي هنديره ونعرفك مقامك!
الزقة بتاعته كانت القشة اللي قسمت ضهر الصبر، رجعت خطوة لورا، ومسكت عصاية المقشة الحديد اللي كانت ورا الباب، رفعتها في وشه وقولت بصوت زلزل المكان قسماً برب العزة، اللي هيقرب مني خطوة لأكون فتحاله دماغه، لا أنت ولا عشرة زيك يمدوا إيدهم عليا! المحل ده باسم جوزي وفي عهدتي أنا، وبطاقتي الضريبية ورخصة المكان في إيدي، وأي حد هيمد إيده على بضاعة هعمله محضر سرقة بالإكراه في القسم، وهفضحكم في المنطقة كلها!
الجيران لما شافوا الموضوع كبر والراجل بيتهجم على ست وجوزها مسافر، دخل عم الحاج إبراهيم صاحب الفرن اللي جنبنا، راجل كبير ومسموع الكلمة، مسك محروس وزقه لورا وقال عيب يا محروس! عيب تمد إيدك على حريم أخوك وهو متغرب على لقمة عيشه! إيه اللي بيحصل هنا يا أم جمال؟ الست بتطلب حق البضاعة، هو التجارة فيها كسوف ولا بلطجة؟
حماتي بدأت تعيط بدموع التماسيح وقالت للحاج إبراهيم شوفت يا حج؟ بتعايرنا بلقمتنا وبتبيع وتشتري فينا في بيتنا! ابننا مسافر وهي عايزة تلهف القرشين وتاكل حقنا!
رديت بسرعة قبل ما حد يصدق تمثيلها، وفتحت الدفتر قدام الحاج إبراهيم والجيران وقولت بصوت باكي بس قوي اشهدوا يا ناس، المحل ده كان مليان بضاعة بمية وخمسين ألف جنيه أول ما جمال سافر، النهاردة مفيهوش بعشرين ألف، وكل اللي خرج راح لبيت حماتي وسلايفي على ورقة وقلم ومفيش مليم دخل، التاجر مهددني بالسجن وولادي مش لاقيين ياكلوا وجوزي برة مش بيبعت ولا قرش وسايبني ليهم، يرضي مين ده يا أمة لا إله إلا الله؟ يرضي مين إني أقف اتسول عشان أأكل عيال جمال وأهله عايشين على قفانا؟
الناس بدأت تبص لبعض وتهز راسها بأسف، وناس اتمتمت بالكلام ضد حماتي ومحروس اللي وشه جاب ألوان من الكسوف قدام أهل الحارة.
الحاج إبراهيم بص لحماتي وقال بلهجة حاسمة الحق أحق أن يُتبع يا أم جمال، التجارة تجارة، والحساب يوم الحساب، الست مش هتشيل ديون المحل لوحدها وابنك متغرب، الحساب يتصفى بالمعروف.
حماتي شدت محروس من إيده وهي بتغل وبتتوعدني، وبصتلي وقالت بصوت واطي ومسموم ورب العزة ما هسيبك، وهخلي جمال يرميكي رمية الكلاب برة البيت ده وتطلعي بشنطة هدومك، افتكري كلامي ده كويس!
طلعوا وسابوا المحل، وأنا رجلي مكنتش شيلاني، قعدت على الكرسي الخشب ورا الفاترينة وأنا بنهج وروحي بتتسحب. الجيران بدأوا يتفرقوا، لكن فجأة، لقيت عربية نقل صغيرة وقفت قدام باب المحل، ونزل منها المعلم شوقي، تاجر الجملة الكبير اللي مديوناله بحوالي سبعين ألف جنيه حق البضاعة القديمة.
دخل المعلم شوقي وشه ميفسرش غير بالشر، ماسك في إيده دفتر الفواتير، وبص للمحل الفاضي وقال بنبرة تقطع الخلف ها يا مدام سمر.. الأسبوع خلص، فين الفلوس اللي قولتِ هتكون جاهزة النهاردة؟ المحل شبه فاضي أهو، يعني بعتي ولميتي الفلوس، هتدفعي ولا نطلع على القسم نحرر المحضر؟
بصيت لدفتر الفواتير، وبصيت للشارع، وحسيت إن الدنيا بتضيق عليا من كل ناحية، والامتحان الحقيقي بدأ دلوقتي..
وقفت مكاني مش قادرة أنطق، ريقي نشف وبصيت للمعلم شوقي ودفتر الفواتير اللي في إيده كأنه حبل مشنقة ملفوف حوالين رقبتي. المحل ورايا بيصفر، الهوا داخل طالع بين الأرفف الفاضية، والراجل واقف بطوله وهيبته مستني يسمع رنة الفلوس مش تنهيدات القهرة.
المعلم شوقي رمى نظرة سريعة على كراتين الشيبسي المفرغة والتلاجات المطفية، ونزل نضارته الطبية على طرف مناخيره وقال بصوت جهوري ها يا سمر؟ إحنا اتفقنا على النهاردة، قولتِ أسبوع يا معلم وأكون لميت الحساب من السوق والزبائن، والنهاردة الأربع، الأسبوع خلص بالتمام والكمال.. فين السبعين ألف جنيه؟ أنتي عارفة إن جمال جوزك قبل ما يسافر ماضي على شيكات وكمبيالات على بياض، وأنا لو رفعت ورقة واحدة منها في المحكمة مش هيرجع من سفره ده غير على السجن، وانتي هنا في وش المدفع!
الكلام نزل عليا زي مية باردة في عز طوبة، حسيت بدوخة ومسكت في طرف الفاترينة الخشب عشان ما أقعش. الشيكات على بياض؟ جمال مأمنش عليا بقرش، وسايب شيكات مفتوحة للتاجر؟ بلعت ريقي بصعوبة وقولتله وأنا بحاول أجمع كل ذرة ثبات في صوتي اتفضل اقعد يا معلم شوقي، اقعد واشرب كوباية شاي وأنا هفهمك كل حاجة بالورقة والقلم.
بصلي بقرف وقال شاي إيه يا بنتي! الشاي ده لما نكون بنحاسب، أنا مش جاي أضايف، أنا جاي ألم حق بضاعتي ورايا التزامات ومصانع، أنتي شايفة السوق عامل إزاي؟ السكر كل يوم بسعر والزيت طالع في العالي والشركات مبتصبرش على حد، اديني فلوسي وأنا ألف وشي وأمشي، غير كده ورق جمال هيطلع على النيابة دلوقتي حالا.
في اللحظة دي، دخل الحاج إبراهيم صاحب الفرن، كان لسه واقف على أول الحارة وشاف المعلم شوقي وهو داخل وسمع صوته العالي. دخل الحاج إبراهيم بجلابيته البيضا وابتسامته الهادية ومد إيده يسلم على التاجر صلِ على النبي يا معلم شوقي، هدي سرك شوية، الست في بيتنا ومفيش مليم هيضيع عليك، ادخل اقعد والرجالة تتكلم بهداوة.
المعلم شوقي احترم سن الحاج إبراهيم، اتنهد وقعد على الكرسي الخيزران اللي جنب الباب، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام يا حاج إبراهيم، بس أنت عارف أكل العيش مفيهوش مجاملات، المحل فاضي خالص، والست باين عليها صفت البضاعة ومفيش سيولة، وأنا كده فلوسي بتضيع.
طلعت من ورا الفاترينة، وشيلت الدفتر بتاعي، دفتر مسطر قديم كنت بكتب فيه كل حبة ملح وكل علبة تونة خرجت من المحل، حطيته على الترابيزة قدام المعلم شوقي وفتحت الصفحات. قولتله وصوتي مكسور بس مليان وجع بص يا معلم شوقي.. المحل ده متصفاش بيع في الشارع، المحل ده اتنهب في بطون أهله. شوف التواريخ دي، شوف الصفحة دي كده.. من يوم ما جمال ركب الطيارة وسافر، وحماتي بتنزل تشيل كراتين الزيت والسكر والشاي، سلايفي كل أسبوع شيلتين وحطتين منظفات وجبن ولحوم مجمدة من التلاجة، محروس أخو جوزي ساحب سجاير وعزايم بتمانية آلاف جنيه لوحده! البضاعة اللي أنت بتطالب بفلوسها خرجت من هنا دخلت الشقق اللي فوق راسي، دخلت مطابخهم وبطونهم، وأنا هنا كنت باخد الفتات عشان أأكل بيه عيالي، ولما جيت أطالب بحقي وحقك بهدلوني وطردوني ومدوا إيدهم عليا والشارع كله يشهد!
المعلم شوقي مسك الدفتر وقعد يقلب فيه بتركيز، عيونه كانت بتوسع مع كل سطر وكل رقم، بص للحاج إبراهيم وقال ده كلام ده يا حاج؟ يعني جمال مسافر وأهله بياكلوا في لحم المحل على حسابي وحساب شقا الراجل؟ ده استهبال وقلة أصل!
الحاج إبراهيم هز راسه بأسى وقال للأسف يا معلم، البيوت أسرار، والست دي والله شالت فوق طاقتها، وكانت ساكتة عشان تحافظ على بيتها لحد ما الفاس وقعت في الراس، بس ده ما يمنعش
تم نسخ الرابط