حماتى اتهمتنى انى سرقت منها
الحلقة الأولى خيط الغزل الأول
في حي وسط البلد، حيث تتداخل أصوات الباعة الجائلين برائحة القهوة المحوجة المنبعثة من المقاهي القديمة، كانت تقع شقة الحاجة زينب. الشقة في الطابق الثالث من عمارة عتيقة ذات جدران سميكة وسلالم رخامية متآكلة بفعل الزمن. في تلك الشقة، كانت الأجواء مشحونة بصمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت مروحة السقف القديمة التي تئن بدورانها الرتيب.
أنا نور، فتاة عادية، ربما هادئة أكثر من اللازم، تزوجت من أحمد بعد قصة حب ظننتها ستدوم وتتحمل الصعاب. عشت معه في التجمع الخامس، في مجتمع هادئ ومنعزل، بعيداً عن صخب الطفولة وحياة الحارات. لكن ذلك الهدوء لم يكن كاملاً؛ فقد كان مشواري الأسبوعي إلى وسط البلد بمثابة تذكير دائم بأنني لم أنفصل تماماً عن الماضي، وأن هناك التزامات أثقل من طاقتي تحاصرني.
كنت أقف في المطبخ، أراقب وعاء الشوربة وهو يغلي على الموقد، بينما أحمد يجلس على السفرة ممسكاً بهاتفه، يقرأ رسالة والدته بنبرة تخلو من أي دهشة
أمي سحبت الفلوس يا نور.. خمسين ألف جنيه عشان تجدد الأنتريه والدهان.
أخذت نفساً عميقاً، وحاولت جاهدة ألا أظهر ضيقي. مسحت فم ابني الصغير يحيى الذي كان يجلس في مقعده المرتخص، وقلت بصوت هادئ
لو هي شايفاها كدة براحتها يا أحمد.. كده كده ده مبلغ هي شايلاه لنفسها ومن حقها تتصرف فيه.
كانت الكلمات تخرج من فمي مرغمة، فأنا أعلم يميناً ويساراً أن تلك الخمسين ألف جنيه كانت حصاد سنوات من التقتير والتدقيق في كل مليم، ولم أكن أتخيل أن هذا المبلغ بالذات سيكون القشة التي ستقصم ظهر البعير.
مرت الأيام وجاء يوم الثلاثاء المشؤوم. نزلت من سيارتي والأفكار تتنازعني، وصعدت السلالم الرخامية وأنا أشعر بوهن غريب في جسدي.
عندما
كانت تجلس في الصالون، على ذاك الأنتريه المتهالك الذي كانت تنوي تغييره. في يدها، كانت تمسك علبة قطيفة حمراء، بهت لونها بفعل السنين، وكانت العلبة مفتوحة.. وفارغة تماماً.
يا نور.
نطقت اسمي بنبرة جافة، كأنها تلقي بحجر في بركة راكدة. وقفت في مكاني، ممسكة بحقيبة ابني وصوت نبضات قلبي يبدأ في التسارع.
نعم يا ماما؟ في حاجة؟
يوم الخميس اللي فات لما جيتي.. لمستي الدولاب بتاعي؟
سؤالها كان بمثابة صڤعة غير مرئية. شعرت ببرودة تسري في عمودي الفقري، وتراجعت خطوة للخلف
يا ماما، عمري ما جيت جنب حاجة تخصك. إنتي عارفة إني بدخل المطبخ والأنتريه وبس، وعمري ما فتحت دولابك.
كان فيه كارت بنك هنا.. الكارت اللي عليه الخمسين ألف. دلوقتي مفيش حاجة.
رفعت رأسها، وكانت عيناها الضيقتان تلمعان ببريق حاد، بريق اتهام صريح لا يقبل التأويل. أضافت بفحيح يشبه الأفاعي
ومفيش حد يعرف الباسورد بتاع الكارت ده غيري أنا.. وانتي، يوم ما روحنا سوى نغيره من المكنة السنة اللي فاتت.
تحول المطبخ وصوت الطبيخ الذي يغلي فيه إلى ضوضاء بعيدة. حاولت استجماع شجاعتي وقلت بصوت يرتجف
يا ماما، والله ما خدت حاجة. متأكدة إنك مش ناسية فين حطيتيه؟ يمكن وقع ورا السرير؟ يمكن شلتيه في مكان تاني؟
عمري ما نسيت مكانه في حياتي!
قامت واقفة فجأة، واندفعت نحوي بكبرياء مجروح وصوت جهوري جعل ابني يحيى يفزع ويطلق صړخة بكاء حادة. لم تبالِ ببكائه، بل أشارت بإصبعها الغليظ نحو حقيبة البيبي الملقاة على الطاولة
وريني الشنطة دي فيها إيه!
وقبل أن
أنطق بحرف، امتدت يدها
وجذبت الحقيبة،
يا ماما.. مينفعش تظلميني كدة.
أظلمك؟
ضحكت بسخرية مريرة، ضحكة هزت أركان الغرفة
البيت ده مفيش فيه غير تلاتة. أحمد مسافر في مؤتمر الإسكندرية من يوم الأربع. يبقى مين غيرك؟ الفلوس طلعت لها رجلين ومشيت؟ أنتي اللي طمعانة فيا من يوم ما ډخلتي البيت ده!
لم أحتمل الشتائم، ولم أعد قادرة على تبرير موقف لم أرتكبه. جمعت أشياء ابني المبعثرة بسرعة، ودموعي ټحرق وجنتيّ. لم أنظر إليها، بل أخذت طفلي الباكي وخرجت من الشقة وأنا أسمع صوت إغلاق الباب خلفي يدوي كأنه حكم بالإعدام على كرامتي.
في المساء، كان بيتنا في التجمع الخامس هادئاً، هدوءاً قاتلاً. عاد أحمد في وقت متأخر من الليل، يظهر عليه التعب والإنهاك من السفر. خلع سترته ورماها على الأريكة، وجلس يفك رابطة عنقه بضيق. تلمس ملامحي الوارمة وعيني الحمراوين من كثرة البكاء، وسألني بروتين قاټل
مالك يا نور؟ أمي كلمتني وكانت بټعيط.
جلست أمامه، وحكيت له كل ما حدث بالتفصيل؛ فتشت حقيبتي، اتهمتني بالسړقة، وأهانتني أمام ابني. كنت أنتظر منه أن يثور، أن يأخذ هاتف ويقول لأمه زوجتي خط أحمر. لكنه بدلاً من ذلك، نظر إليّ بضيق وغرابة، وقال بنبرة هادئة ومريبة
ماما مش هتتكلم من غير سبب يا نور.. مش جايز تكوني أخدتيهم ونسيتي؟ مش كنتي بتقولي من كام يوم إنك عايزة مبلغ كبير لحد قبض الشهر عشان مصاريف دكتور
السنان وباقي قسط الحضانات؟
نزلت كلماته عليّ كالصاعقة. شعرت وكأن الأرض تميد بي. هل أحمد، شريك حياتي وأبو ابني، يشك بي؟ هل يتهمني بالسړقة لمجرد أن والدته قالت ذلك؟
يا أحمد، أنا مأخدتش حاجة. أنا مستحيل أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي، إنت عارفني كويس!
طيب طيب، محصلش حاجة.
عمل بيده حركة خلاص بقى كأنه ينهي نقاشاً تافهاً، ثم نهض وتوجه نحو الحمام وهو يتمتم
أمي ست كبيرة، أكيد اتلخبطت أو نسيت. بكرة هروح أشوف في إيه، مش عايزين نكبر الموضوع ونبوظ الدنيا وسط الناس.
انطفأت الأنوار، واستلقى أحمد بجانبي على السرير. بعد دقائق، بدأ صوت شخيره يعلو في الغرفة، بينما أنا جافاني النوم تماماً. بقيت مستيقظة، أراقب السقف والظلام يبتلع كل شيء، وأتساءل كيف تحولت حياتي في لحظة إلى كابوس؟ ومن الذي سرق تلك الخمسين ألف جنيه وجعلني المتهمة الوحيدة في نظر الجميع؟
الحلقة الثانية عاصفة في غسق النهار
في الصباح الباكر، لم أستيقظ على صوت المنبه، بل على صوت مفاتيح تدور في قفل باب شقتنا پعنف. دخلت الحاجة زينب كالإعصار، مستخدمة نسخة المفتاح التي أعطاها لها أحمد منذ زمن للطوارئ. لم تحترم خصوصيتنا، ولم تبالِ بأننا ما زلنا في الصباح الباكر.
رمت كشف حساب ورقي پعنف على طاولة الصالون الزجاجية، وصاحت بصوت أجش أيقظ أحمد الذي خرج مسرعاً من غرفة النوم بملابس البيت
افتحي عينك وشوفي يا ست نور! الفلوس اتسحبت يوم الخميس اللي فات، من الساعة 3 ل 3 ونص العصر. عمليتين سحب، كل واحدة ب 25 ألف جنيه من مكنة البنك اللي على أول الشارع عندنا. أنا اتأكدت من البنك بنفسي الصبح، مكنش فيه حد في البيت
ولا في المنطقة يعرف الباسورد وموجود في الوقت ده غيرك!
نظرت إلى كشف الحساب، ورأيت الأرقام
المطبوعة باللون الأسود. الساعة
يوم الخميس.
وفجأة، لمعت في عقلي