عمري ما ثقت في مراتي

لمحة نيوز

عمري ما وثقت في مراتي.. ولا يوم واحد.
وعشان كده، كنت ببعت كل تحويشة عمري لأمي أول بأول..
لكن في اليوم اللي رجعت فيه لبلدي عشان أسترد فلوسي، جملة واحدة بس دمرت حياتي كلها!
طول عمري كنت شايف نفسي راجل حذر، وبحسبها بالورقة والقلم، خصوصاً لما الموضوع يتعلق بالفلوس.
من صغري، وأنا بسمع نفس التحذير بيتكرر من أمي ومبيخلصش. في بيتنا القديم في طنطا، الفلوس مكنتش مجرد ورق أو أرقام في البنك.. الفلوس كانت الأمان، والضهر، والحاجة الوحيدة اللي أمي كانت مقتنعة إنها تقدر تنقذ الراجل لما الدنيا تلطش معاه وكل حاجة تتهد فوق دماغه.
كانت دايماً تقولي جملة اتطبعت في دماغي ومسحتش من يومها
الراجل اللي يسلم رقابته وفلوسه لمراته، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه من غير ست ومن غير فلوس.
 
وأنا عيل صغير، كنت بحس إنها بتبالغ.. بس لما كبرت وبدأت أفهم الدنيا، كلامها بدأ يدخل دماغي ويبقى ليه منطق. خصوصاً إن أمي مكنتش بتقول كلام مرسل، كان دايماً عندها قصة وحكاية لكل تحذير بتقوله.
كانت تحكيلي عن راجل من معارفنا، شقى عمره كله حطه في إيد مراته، وفي يوم وليلة هربت مع راجل تاني وأخدت الجمل بما حمل. وتحكيلي عن قصة واحد قريبنا كتب شقته باسم مراته، وبعد أول خناقة كبّرت بينهم، لقى نفسه مرمي في الشارع، بيبيت عند أصحابه بعد ما ضاع حقه في البيت اللي عاش فيه طول عمره.
يمكن القصص دي كان فيها جزء حقيقي، ويمكن أمي كانت بتزود عليها شوية بهارات من عندها عشان تخوفني.. بس لما تسمع نفس الكلام ونفس التحذير لأكتر من عشرين سنة، الموضوع مبيبقاش مجرد رأي.. بيبقى حقيقة ومبدأ عايش بيه.
وهكذا كبرت.. مؤمن إن الراجل لازم يحمي قرشه بنفسه، وإن

مهما حصل، ميسيبش السيطرة على حياته تطلع من إيده.
لما تميت اتنين وتلاتين سنة، اتجوزت من أسماء.
عرفتها في القاهرة، مكان ما كنا شغالين إحنا الاتنين. أنا كنت مهندس ميكانيكا في شركة مقاولات، وأسماء كانت شغالة محاسبة في شركة شحن وتفريغ صغيرة.
أسماء كانت ست أصيلة.. هادية، وشقيانة، وعينها مليانة مكنتش مادية خالص. مكنتش من نوع الستات اللي بيجروا ورا المنظرة والبراندات ويقعدوا يتباهوا بالحاجة، أو يطلبوا طلبات تكسر الظهر. كانت بترضى بقليلها، تحب تشرب الشاي في الحسين، وتتمشى في شوع وسط البلد القديمة، وتهتم بزرع وبلكونة شقتنا، والدفاتر الصغيرة اللي كانت بتسجل فيها كل كبيرة وصغيرة بخطها المنظم المرتب.
يوم فرحنا، ناس كتير قالوا لي نفس الكلمة
ربنا رزقك بست ب 100 راجل.
أمثالها بقوا قليلين أوي الأيام دي.
دي عاقلة، ومصونة، وتعرف تدير القرش.
كنت ببتسم وأنا بسمع الكلام ده، بس من جوايا كان فيه صوت قديم وعنيد، عمال يزن بنفس الكلام اللي أمي زرعته فيا من سنين أوعى تأمن لها.. إياك تسلمها كل حاجة.
في أول جوازنا، دنيتنا كانت هادية ومستقرة. عشنا في شقة صغيرة في عين شمس، مكنتش واو ولا واسعة، بس كانت ملمومة ومقضيانا. مطبخ على قدنا، صالة بسيطة، وشباك بيطل على زحمة وأنوار الشارع بالليل، وبلكونة صغنونة أسماء صممت تملأها زرع وقصاري فخار رغم إنها يا دوب بتشيل فردين بالعافية.
كنا بنطحن في الشغل إحنا الاتنين.. وفي كل شهر، كانت تطلع دفتر صغير كدة، وتقعد تسجل فيه مصاريفنا بالقرش الإيجار، النور، الميه، الغاز، الأكل، المواصلات، وأي فواتير تانية مستنيانا. كانت منظمة جداً.. لدرجة كانت بتخنقني ساعات بصراحة.
في ليلة من الليالي،
وإحنا بنتعشى، قالت لي أسماء بهدوء
بقولك إيه يا أحمد.. ما تيجي نفتح حساب توفير مشترك في البنك؟
رفعت عيني وبصيت لها وقلت وليه يعني؟
قالت ببساطة عشان مصلحتنا ومستقبلنا.
كانت بتتكلم بهدوءها المعتاد، وكأنها بتطلب طلب طبيعي جداً، وكملت لو فضلنا نحوش بانتظام، يمكن بعد كام سنة نعرف نشتري شقة تمليك.. مش لازم تكون في مكان واو، بس شقة ملكنا ونرتاح من الإيجار وجع الدماغ.
الفكرة كانت حلوة.. بل حلوة جداً ومنطقية. بس فيه حتة جوايا اتنفضت فجأة وخافت، فقلت لها ببرود نشوف الموضوع ده بعدين.. يسهلها ربنا.
أسماء مألّحتش في الكلام، دي كانت طبيعتها، مبتحبش تضغط على حد. بس بعد كام أسبوع، فتحت السيرة تاني وقالت لي إنت قدرت تحوش كام الفترة اللي فاتت؟
أخدت بؤ شاي وقبل ما أرد قلت لها قرشين على قد الحال.
ابتسمت وقالت طيب ما نضم تحويشتنا على بعض، أنا معايا قرشين شايلاهم، وإنت معاك مبلغ، وساعتها هنبقى عارفين بالظبط فاضل لنا قد إيه عشان نشتري الشقة ونبقى على نور.. التخطيط بيبقى أسهل لما نكون عارفين راسنا من رجلينا في الفلوس.
كلامها كان عين العقل، ومنطقي لدرجة إنها نرفزتني! لإن أنا كنت عارف حقيقة هي مكنتش تعرفها.. إن معظم تحويشة عمري مكنتش معايا أصلاً ولا في البنك هنا.
قلت لها بزهق قلنا بعدين يا أسماء، مش وقته.
هزت راسها بسكوت، ومفتحتش بؤها بقية الليلة.
لكن من اليوم ده، فيه حاجة بدأت تتغير ما بيننا. مش بسبب اللي هي قالته، بس بسبب اللي أنا كنت مخبيه عنها.
كان فيه سر واحد هي متعرفوش.. أنا كل شهر أول ما المرتب ينزل في حسابي، كنت بقص منه حتة محترمة، وأقوم بعتها عل طول لأمي في طنطا.
في الأول كانت مبالغ صغيرة، وبعدين
بدأت تكبر مع الوقت.. لحد ما الموضوع بقى عادة وثابت من ثوابت حياتي. طقس ميفوتش شهر من غير ما أعمله.. أقبض، أدفع الفواتير الأساسية، وأبعت الباقي لأمي.
وفي كل مرة، كانت تبعتلي رسالة قصيرة على الموبايل تقول فيها اطمن يا قلب أمك.. فلوسك في حرز وأمان.
ساعتها بس كنت بحس براحة غريبة، وأحط راسي على المخدة وأنام مالي عيني.
مرت السنين.. والمبالغ بدأت تكبر وتزيد. اللي بدأ كتحويشة على قد الحال، بقى مبلغ ضخم عمري ما تخيلت في يوم إني همسكه في إيدي. بعد أكتر من عشر سنين طحن وشغل متواصل، مدخراتي وصلت لحوالي 300 ألف دولار كنت بحولهم أول بأول لعملة صعبة وشايلهم مع أمي.
مبلغ يشتري أحسن شقة، أو يفتح مشروع كبير، أو يخليني أبدأ من جديد لو الدنيا اتهدت في أي وقت وخسرت كل حاجة.
وعشان كده بالذات.. مكنتش عايز مخلوق يعرف طريق الفلوس دي.. ولا حتى أسماء.
أسماء مكنتش تعرف حجم الفلوس اللي أنا مخبيها، كل اللي كانت تعرفه إني راجل ناشف وحريص زيادة عن اللزوم. بس مع مرور الأيام، بدأت تحس بحاجة أنا كنت برفض أعترف بيها.. المسافة.. الشك.. السد الخفي اللي كان بيعلى بيننا يوم ورا يوم.
حكايات_رومانى_مكرم 
وفي ليلة، بعد خناقة تافهة أوي بيننا، أسماء بصت لي وقالت لي جملة.. لسه فاكرها لحد النهاردة بكل تفاصيلها.. بنبرة صوتها، بنظرة عينها.. جملة واحدة بس.
في اللحظة دي أنا مديتش لكلامها أي اهتمام ولا ركزت فيه.. بس بعد فترة مش كبيرة، لما حياتي اتقلبت شقلباظ، عرفت إنها كانت شايفه اللي أنا عميت عنه طول السنين دي كلها.
ولما عرفت الحقيقة في الآخر.. اتمنيت لو كنت سمعت كلامها قبل فوات الأوان. وو سيبلى
سكتت أسماء بعد الجملة دي،
بس الصمت نفسه كان أعلى من أي صوت
 

تم نسخ الرابط