عمري ما ثقت في مراتي
في البيت.
كانت واقفة قدامي في الصالة، إيدها لسه ماسكة طرف الطرحة اللي بقت بتشده من عصبيتها كل ما تتكلم معايا، وعينيها فيها حاجة أنا عمري ما خدتها بجد مش زعل عادي، ولا خناق زوجين، لكن إحساس حد بيشوفك وإنت بتضيع ومش قادر يمنعك.
قالتلي بهدوء غريب إنت مش مطمّن معايا يا أحمد بس الحقيقة إنك كمان مش مطمّن على نفسك.
ضحكت بسخرية وقتها وقلت
أنا أدرى بمصلحتي.
هزّت راسها وقالت الجملة اللي فضلت بتطاردني بعدها بسنين
اللي بيخبي أمانه عن أقرب الناس ليه بيصحى في يوم يكتشف إن الأمان نفسه ضاع منه.
ساعتها سبتها وطلعت أوضتنا، قفلت الباب عليا، وافتكرت أمي. افتكرت جملتها، وافتكرت إحساسي الدائم إن أي حد غيري ممكن ياخد كل حاجة في لحظة.
لكن الغريب إني أول مرة أحس بحاجة مختلفة
إني أنا اللي ممكن أكون بخسر، مش ببحمي.
عدّى كام يوم بعد الخناقة، والحياة ما بينا بقت أهدى من برّا، بس أبرد من جوّا. أسماء بقت ساكتة زيادة، مش بتفتح مواضيع، ولا بتسأل عن الفلوس تاني، كأنها سابتني مع نفسي.
لحد اليوم اللي رجعت فيه من الشغل لقيتها قعدة على الكنبة، قدامها شنطة صغيرة سودا.
قامت أول ما دخلت، وقالت بهدوء أنا مسافرة طنطا النهارده.
قلبي دق بسرعة
ليه؟ حصل إيه؟
ردّت
مفيش حاجة حصلت بس لازم أروح أشوف حاجة هناك.
وبنظرة واحدة بس، حسّيت إن الموضوع مش زيارة عادية.
اتجمدت في مكاني لما قالت الجملة اللي كسرت كل اللي بنيته جوا دماغي سنين
بما إنك واثق إن الفلوس في أمان عند أمك يبقى أكيد مش هتقلق لو رحت أجيب جزء منها عشان نبدأ حياتنا صح.
ساعتها سكت.
بس السكوت المرة دي ما كانش اختيار كان صدمة.
لأول مرة، حسّيت إن الأرض مش ثابتة تحت رجلي.
لأول مرة، بدأت أسأل نفسي سؤال
وفي اللحظة دي، تليفوني رن رقم من طنطا.
رقم أمي.
وإيدي كانت بتترعش وأنا لسه ما رديتش لأن في داخلي، كنت حاسس إن اللي جاي مش مكالمة عادية دي بداية النهاية إيدي فضلت معلّقة على زرار الرد ثواني طويلة ثواني حسّيتهم أطول من عشر سنين جواز.
رقم أمي كان بيرن بإصرار، وأسماء واقفة قدامي، شايفة توتري، بس مش بتتكلم كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
في الآخر رديت بصوت مبحوح أيوه يا أمي خير؟
في الناحية التانية كان في صمت غريب.
مش صمت موبايل بيقطع ده صمت حد بيحاول يلاقي صوته ومش لاقيه.
وبعدين جملة واحدة بس قالتها أمي خلت رجلي تسيب الأرض
إرجع طنطا حالًا.
قلبي وقع في إيه؟ حصل إيه؟ الفلوس؟
ردها كان أقصر من المتوقع لما تيجي هتفهم كل حاجة بس متتأخرش.
وخطت.
فضلت ماسك الموبايل كأني ماسك حاجة بتتحرق في إيدي. رفعت عيني لأسماء لقيتها لسه واقفة، بس ملامحها اتغيرت. مش مستنية ردّي كأنها عارفة الرسالة قبل ما توصل.
قلت لها بسرعة إنتِ كنتي هتروحي طنطا دلوقتي؟
هزّت راسها بهدوء أيوه.
سكت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر خط دفاع جوايا
بس واضح إنك هتسبقني.
في الطريق لطنطا، العربية كانت سايقة بيّ بس أنا مش شايف الطريق.
كل متر كان بيرجعني سنين لورا لكل مرة حولت فيها فلوس، لكل رسالة كانت أمي تبعتها في أمان لكل مرة كنت بقول لنفسي أنا كده مطمّن.
بس الغريب إني لأول مرة ماكنتش مطمّن.
لما وصلت الشارع، حسّيت إن في حاجة غلط من أول لحظة.
الناس واقفة قدام بيت أمي بشكل مش طبيعي.
وشوشهم مشوشة همسات نظرات كلها متجهة ناحيتي.
قلبي بدأ يدق أسرع.
دخلت بسرعة
ولما فتحت باب الشقة
اتجمدت.
أمي كانت قاعدة
مفيش دولار واحد.
مفيش دفتر التحويش اللي كانت دايمًا بتقوله عليه في حرز وأمان.
بس في حاجة واحدة بس كانت موجودة على الترابيزة
مفتاح شقة غريبة ومذكرة صغيرة مكتوبة بإيد مش غريبة عليّا.
إيد أسماء.
فتحت الورقة بإيدي اللي بتترعش
وساعتها قرأت أول سطر
أنا ماخدتش منك حاجة أنا بس رجّعتك لنقطة البداية اللي أنت عمرك ما كنت عايز تشوفها.
وفجأة ورايا، سمعت صوت باب الشقة بيتقفل بهدوء.
وصوت خطوات بتقرب مني ببطء بثقة
وصوت أسماء قالت دلوقتي بس هنعرف الحقيقة كلها يا أحمد التفتّ ببطء كأن رقبتي بقت تقيلة مش قادرة تشيل اللحظة.
أسماء كانت واقفة عند باب الشقة، هادية بشكل مرعب مش ملامح زوجة جاية تتخانق، ولا حتى حد مستني يبرر.
كانت ملامح حد خلص خطة طويلة جدًا واستنى النهاية بس.
قلت بصوت مكسور إنتِ عملتي إيه؟ فين الفلوس؟ وفين أمي؟
قربت خطوة واحدة بس، وقالت أمك بخير لحد دلوقتي.
الجملة دي خلت الدم يوقف في عروقي.
صرخت يعني إيه لحد دلوقتي؟!
سكتت ثانيتين، وبعدين بصّت على المذكرة اللي في إيدي وقالت افتح باقي الورق بدل ما تسأل أسئلة إجاباتها هتوجعك أكتر.
بإيدي المرتعشة فتحت الصفحة التانية وكان مكتوب بخط أمي
أنا ماخنتكش يا أحمد أنا كنت بحميك من نفسك.
ساعتها الدنيا بدأت تلف بيا.
رفعت عيني لأسماء إنتِ دخلتي أمي في الموضوع؟! عملتي إيه؟!
بس اللي ردت بيه ماكنش إجابة كان سؤال إنت فاكر إن الفلوس كانت عندها فعلاً؟
سكت.
دي أول مرة السؤال يضربني في دماغي.
أسماء كملت وهي بتقرب أكتر ال 300 ألف دولار مكنوش في خزنة ومكنوش في بنك
قلبت الجملة عليا يبقى فين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت كانوا في مكان واحد إنت
سكتت لحظة وبصت على الشنطة الفاضية على الترابيزة.
وفجأة قالت الجملة اللي كسرت آخر إحساس بالأمان جوايا
إنت كنت بتحوّل فلوسك لأمك بس أمك كانت بتحوّلها لمشروع أكبر بكتير منك ومني.
رجلي اتخلخلت مشروع إيه؟!
وفي اللحظة دي باب أوضة جوه الشقة اتفتح ببطء.
وخرجت أمي.
بس مش زي ما كانت.
كانت ماسكة ملف كبير وعيونها فيها حسم غريب حسم عمره ما شوفته فيها قبل كده.
وقالت بهدوء قاتل اقعد يا أحمد لأن اللي جاي مش خيانة ده اختبار انت اللي اخترته بنفسك من سنين.
وسكتت ثانية وبصّت بيني وبين أسماء وقالت
والنهارده هتعرف مين فينا كان بيحميك ومين كان بيستني اللحظة دي من أول يوم جوازك الإحساس اللي جوايا وقتها كان زي حد بيشد الأرض من تحت رجلي واحدة واحدة من غير ما أوقع مرة واحدة، بس عايزني أعيش لحظة السقوط بكل تفاصيلها.
بصيت لأمي اختبار؟! إنتوا بتتكلموا عن إيه؟ فلوسي فين؟ أنا عايز أفهم!
أمي قربت من الترابيزة، حطت الملف قدامي، وقالت بهدوء مخيف افتح وإنت هتعرف كل حاجة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الملف.
أول ورقة كانت تحويلات بنكية بأسماء شركات عمري ما سمعت عنها.
ثاني ورقة عقود استثمار.
تالت ورقة توقيعات.
وبعدين صورة.
صورتها هي.
أسماء.
بس مش صورة زوجة عادية كانت قاعدة في مكتب، قدام شاشة، وفي إيديها أوراق مالية.
رفعت عيني فجأة إيه ده؟!
أسماء قالت بهدوء شغلي.
سكت.
أمي كملت الفلوس اللي كنت بعتّهالي طول السنين ما فضلتش في البيت يوم واحد.
قلبي دق بسرعة يعني إيه؟!
ردّت أنا ماخدتش منك جنيه واحد لنفسي.
سكتت ثانية، وبعدين قالت الجملة اللي فتحت جرح أكبر من كل اللي قبله
أنا دخلت بيها في استثمار مع اسمها هي.
بصيت لأسماء يعني إنتوا كنتوا
أسماء هزّت راسها من قبل ما تتجوزني.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان أصعب من أي صرخة.
رجعت خطوة