جوزي طيار وكان عنده
إن المفاجأة لسه في بدايتها، وإن آخر قطعة قال عليها شريف هتكشف سرًا احتفظ بيه سنين طويلة... لكن لسه ما جهش وقت معرفته بدأت الطيارة تنخفض بهدوء، وأضواء المدينة ظهرت من تحتنا كأنها نجوم مرسومة على الأرض.
صوت شريف رجع في السماعات بنبرته الهادية المعتادة
أشكركم على اختياركم رحلتنا، ونتمنى تكونوا استمتعتم بيها. وبرجاء البقاء في أماكنكم حتى التوقف الكامل.
الكلمات كانت عادية بالنسبة لكل الركاب...
إلا بالنسبة لي.
لأن آخر جملة قالها كانت مختلفة.
وفيه راكبة واحدة... أتمنى تفتكر إن بعض الوعود ممكن تستنى سنين، لكن عمرها ما بتتنسى.
ابتسمت من غير ما أحس، وأنا ضاغطة على العلبة الخشب بين إيديا.
بعد ما الطيارة وقفت، الناس بدأت تنزل بالترتيب.
الغريب إن المضيفة وقفت قدام صفي وقالت بابتسامة
لو سمحتم... هنستأذن حضراتكم دقيقة.
الركاب بصوا باستغراب، لكن محدش اعترض.
بعدها قربت مني وهمست
حضرتك آخر واحدة هتنزل.
استنيت لحد ما الكابينة فضيت تمامًا.
أول ما آخر راكب خرج، باب الكابينة اتفتح.
خرج شريف ببدلته، لكنه أول ما شافني نسي كل الرسمية، وجري ناحيتي وهو بيضحك.
وقف قدامي وقال
يعني كنتِ فاكرة إنك هتفاجئيني؟
ضحكت وأنا دموعي نزلت.
إنت كنت عارف؟
طلع من جيبه تذكرة مطبوعة.
من أول ما حجزتي... وصلني كشف الركاب قبل الرحلة بيوم. أول ما شفت اسمك، عرفت إنك بتحضري لمقلب.
ضربته بخفة على كتفه.
وسبتني أعيش كل التوتر ده؟
ابتسم وقال
لأن دي كانت أول خطوة.
أشار ناحية العلبة اللي معايا.
افتحيها دلوقتي.
فتحت
الغطا ببطء...
لقيت جواها الميدالية، وتحتها مفتاح نحاسي صغير مربوط بشريط أحمر.
كان معاه كارت مكتوب فيه
ده مفتاح المكان اللي بدأنا منه... لكن المرة دي هنرجعله بعد 12 سنة.
رفعت عيني باستغراب.
تقصد إيه؟
ابتسم من غير ما يجاوب.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.
بص للشاشة، وابتسامته اختفت فجأة.
رد بسرعة، وسمع الطرف التاني ثواني من غير ما ينطق.
ثم قال بصوت منخفض
إزاي؟... إمتى حصل ده؟
وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلي وهو بياخد نفسًا عميقًا.
وقال
واضح إن خطتنا هتتأجل... لأن في حاجة حصلت لازم نروح لها حالًا.
ولأول مرة من بداية الليلة... شفت في عينيه قلقًا حقيقيًا، من غير ما أعرف إيه الخبر اللي قلب كل حاجة اتجمدت مكاني، وأنا ببص في وشه.
قلت بقلق
خير يا شريف... حصل إيه؟
حاول يبتسم، لكن الابتسامة كانت باهتة.
مسك إيدي وقال
متخافيش... محدش حصله حاجة، بس لازم نتحرك بسرعة.
الكلمة الأخيرة طمنتني شوية.
خرجنا من الطيارة، وكان في موظف من المطار واقف مستنينا بعربية كهربائية صغيرة.
أول ما شاف شريف، سلّمه ظرف أبيض مختوم، وقال
زي ما طلبت يا كابتن.
استغربت.
إنت كنت مرتب لكل ده؟
ضحك وقال
آه... لكن المكالمة الأخيرة غيرت ترتيب الأحداث.
ركبنا العربية، وماشيين بين الممرات الهادية للمطار، لحد ما وصلنا لباب جانبي مخصص للعاملين.
أول ما خرجنا، لقيت عربية قديمة واقفة.
عربية!
بصيت لها أكتر، وحسيت إني أعرفها.
قربت منها ببطء... وفجأة شهقت.
دي... دي عربيتنا الأولى!
العربية الزرقا الصغيرة اللي اشتريناها بعد الجواز بشهور، واضطرينا نبيعها وقت ما كان شريف لسه في بداية شغله، عشان نسدد أقساط البيت.
لفيت أبصله، وأنا مش مصدقة.
إنت... رجعتها؟
هز راسه بابتسامة.
فضلت أدور عليها أكتر من سنة... ولما لقيتها، اشتريتها من غير ما أقولك.
لمست باب العربية، وحسيت كأن الزمن رجع بينا.
ركبنا، وكان نفس معطر الجو اللي كنت بحبه معلق في المراية، ونفس الأغنية القديمة شغالة بصوت منخفض.
ضحكت وسط دموعي.
إنت فاكر كل التفاصيل؟
رد وهو بيبص للطريق
في حاجات مينفعش تتنسي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مبنى صغير مطل على النيل.
كان مطعمًا قديمًا، لكنه مقفول.
استغربت.
إحنا جايين هنا ليه؟
ناولني المفتاح النحاسي اللي كان في العلبة.
وقال
المفتاح
ده مش بتاع المطعم...
وأشار ناحية باب خشبي صغير في الجنب، عمره ما كان ظاهر للناس.
قربت، وحطيت المفتاح في القفل.
لفّ بسهولة... وكأن الباب كان مستنينا.
فتح الباب ببطء.
دخلنا ممرًا قصيرًا، وفي آخره غرفة صغيرة مضاءة بشموع.
على الحائط كانت صورنا من أول يوم خطوبة، ويوم كتب الكتاب، وأول بيت، وأول رحلة، وكل ذكرى جميلة عدت علينا.
لكن في منتصف الغرفة...
كانت فيه منضدة عليها صندوق خشبي كبير، وعليه ورقة واحدة مكتوب فيها بخط شريف
افتحيه معايا... لأن اللي جواه هيغير شكل كل عيد جواز من النهارده، لكن لسه لازم تعرفي حاجة مهمة قبل ما نشوفه.
ثم نظر إليّ بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد ليحكي سرًا احتفظ به سنوات... لكنه لم ينطق بالكلمة الأولى بعد وقفت قدامه، وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
بصيت للصندوق... وبعدين بصيتله.
قلت بصوت مرتعش
شريف... خوفتني. هو في إيه؟
ابتسم، ومد إيده مسك إيدي برفق.
اطمني... السر ده عمره ما كان حاجة وحشة. بالعكس... هو أجمل وعد حاولت أوفيه.
سحب من جيبه مفتاحًا صغيرًا تاني، كان مختلف عن المفتاح اللي فتحنا بيه الباب.
ركع على ركبة واحدة قدام الصندوق، وحط المفتاح في القفل.
صدر صوت تك.
فتح الغطا ببطء...
ولقيت جواه عشرات الظروف، كل واحد مربوط بشريط بلون مختلف.
وعلى كل ظرف تاريخ.
قربت وأنا مستغربة.
أول ظرف كان مكتوب عليه
السنة الأولى.
واللي بعده
السنة الثانية.
وبعدين
السنة الثالثة.
لحد ما وصلت لآخر ظرف.
السنة الثانية عشرة.
بصيتله باستغراب.
إيه دول؟
ابتسم وقال
كل سنة في عيد جوازنا، كنت بكتبلك جواب.
شهقت.
جواب؟
هز رأسه.
حتى في السنين اللي كنا بنتخانق فيها... والسنين اللي كنت مسافر فيها... والسنين اللي كنتِ فاكرة إني نسيت المناسبة... كنت برجع آخر اليوم وأكتب كل اللي كنت عايز أقوله، وأحطه هنا.
مد إيده وناولني أول ظرف.
فتحته.
كان الخط أقدم، وكأن الزمن رجع بينا.
قرأته بصوت منخفض، وكانت أول جملة فيه
إلى البنت اللي وافقت تعيش مع شاب لسه بيبدأ حياته... أوعدك إني يمكن معرفش أجيب الدنيا كلها، لكن هفضل أحاول أخليكي تضحكي كل يوم.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الظرف اللي بعده.
ثم اللي بعده.
كل واحد كان حكاية كاملة.
في واحد كان بيحكي عن أول مرة خاف يبقى أب.
وفي واحد كتب
فيه قد إيه كان فخور بيا وأنا بسانده في أصعب فترة في شغله.
وفي واحد اعتذر فيه عن يوم رجع متأخر من غير ما يقدر يشرح سبب تعبه.
ولما وصلت لظرف السنة السابعة...
لقيت صورة صغيرة جواه.
صورة لينا وإحنا واقفين قدام بيت بسيط تحت التشطيب.
افتكرت اليوم ده.
اليوم اللي قولتله فيه إن البيت صغير، لكنه هيبقى أجمل مكان طول ما إحنا مع بعض.
ابتسم وقال
كل ظرف فيه ذكرى... وكل ذكرى كانت بتفكرني ليه اخترتك من البداية.
مسحت دموعي، وأنا بضحك.
طيب... وإيه حكاية ظرف السنة الاتناشر؟
بص للصندوق، وسكت شوية.
ثم أخده بإيده، لكن قبل ما يديهولي، قال
الظرف ده مختلف... لأنه مش بيتكلم عن اللي فات.
ثم رفع عينيه نحوي، وابتسم ابتسامة مليانة أمل.
الظرف ده... بيتكلم عن اللي جاي.
لكنه لم يفتحه بعد، واكتفى بأن وضعه بين أيدينا، وكأن اللحظة نفسها كانت أهم من معرفة ما بداخله مديت إيدي ببطء، ولمست الظرف.
كان أثقل من باقي الظروف.
بصيت لشريف وقلت وأنا بضحك وسط دموعي
هو إنت حاطط فيه طوبة؟
ضحك من قلبه لأول مرة من بداية الليلة.
وقال
لا... بس يمكن يكون أكتر ظرف استنيت اللحظة دي عشان أفتحه.
ناولني الظرف.
فتحت الشريط الذهبي اللي كان ملفوف حواليه، وأخرجت الورقة.
لكن قبل ما أبدأ أقرأ، وقع منها مفتاح صغير تاني.
استغربت.
هو النهارده يوم المفاتيح ولا إيه؟
قال بابتسامة
المفتاح ده لباب لسه مفتحناهوش.
بصيتله باستغراب، لكنه أشار للورقة.
بدأت أقرأ.
حبيبتي...
لو وصلنا للسنة الاتناشر، يبقى إحنا عدينا مع بعض أفراح، وتعب، وضحك، وخلافات بسيطة، وأيام حسينا فيها إن الدنيا تقيلة... لكن عمرنا ما