جوزي طيار وكان عنده
أي بيت سعيد.
سألت شريف
مين دول؟
ابتسم وقال
لما اشتريت الأرض، عرفت إن كان عليها بيت قديم جدًا، اتهد من سنين. واضح إن المالك السابق كان سايب الصندوق عند المحامي، وطلب إنه يتسلم لأي أسرة تبدأ حياة جديدة هنا.
قلبنا الورقة.
كان فيها رسالة قصيرة
لو أنتم بتقرأوا الرسالة دي، فأنتم محظوظين... لأن البيت الحقيقي مش اللي سقفه يحميكم من المطر، لكن اللي قلوبكم تحمي بعضها فيه وقت الشدة.
سكتنا لحظات.
وبعدين شريف طوى الرسالة بعناية، وحطها في إطار صغير على الرف.
وقال
دي أول حاجة هتتعلق في بيتنا.
وافقت وأنا مبتسمة.
وفي اللحظة دي، أدركت إن بعض البيوت بتبدأ بالطوب والإسمنت...
لكن البيت اللي يعيش طويلًا، بيبدأ بكلمة صادقة، ووعد بيتجدد كل يوم، وقلوب بتختار بعضها من جديد، مهما عدت السنين مرت أسابيع، والحياة في بيت الوعد بدأت تاخد شكلها الطبيعي.
شريف يرجع من رحلاته، وأنا أكون مستنياه في الجنينة بكوباية شاي، نحكي لبعض عن يومنا، ونضحك على المواقف الصغيرة اللي زمان كانت بتعدي من غير ما ناخد بالنا منها.
وفي كل مرة كان يسافر، كان يسيبلي ورقة صغيرة في مكان مختلف.
مرة جوه كتاب بقرأه.
ومرة تحت فنجان القهوة.
ومرة لزقتها على باب التلاجة، ومكتوب فيها
لو رجعتي من شغلك قبلي... افتحي الشباك. نفسي أول نسمة هوا تدخل البيت تكون وإنتِ فيه.
البيت بقى مليان تفاصيل شبهنا.
لكن في يوم، وأنا بنضف المكتبة، لقيت درجًا صغيرًا كنت فاكرة إنه فاضي.
فتحته.
كان فيه دفتر جلده بني، وعلى الغلاف مكتوب
أحلامنا القادمة.
فتحته.
أول صفحة كانت بخط شريف
أي حلم يتحقق... نكتب جنبه علامة صح. وأي حلم لسه مستني... نسيبه هنا لحد ما ييجي وقته.
قلبت الصفحات.
لقيت أحلام بسيطة جدًا.
رحلة بالقطار في الصعيد.
نتعلم نزرع شجرة فاكهة.
نقضي يوم كامل من غير موبايلات.
نرجع نزور أول شقة عشنا فيها.
ضحكت وأنا بقلب الصفحات.
لكن آخر صفحة خلتني أسكت.
كان مكتوب فيها
في عيد جوازنا الخامس عشر... نفتح الدفتر ده تاني، ونشوف كام حلم عشنا فعلاً.
قفلت الدفتر وأنا مبتسمة.
في نفس اللحظة، دخل شريف من الباب وهو شايل شتلة ياسمين.
قال وهو يرفعها قدامي
فاكرة إنك كنتِ نفسك في ياسمينة عند باب البيت؟
ضحكت.
إنت فاكر كل كلمة قلتها؟
رد بابتسامة
يمكن أنسى مواعيد مباريات الكورة... لكن أنسى أمنية ليكي؟ مستحيل.
خرجنا سوا للجنينة.
حفر حفرة صغيرة، وناولني الشتلة.
وقال
إنتِ ازرعيها.
غرستها بإيدي، وهو بدأ يردم التراب حواليها.
ولما خلصنا، وقفنا نبص لها.
قال بهدوء
الشجرة دي هتكبر سنة بعد سنة... وكل عيد جواز هنقيس طولها.
ابتسمت وأنا ماسكة إيده.
وقلت
ولما تبقى كبيرة، هنقعد تحتها ونحكي لأولادنا وأحفادنا حكاية الطيارة... والبيت... والرسائل.
ابتسم شريف، وضغط على إيدي برفق.
وساعتها هنعرف إن أجمل رحلة في حياتي... ما كانتش في السماء.
بصيتله باستغراب.
ابتسم وأكمل
كانت من أول يوم مسكت فيه إيدك... ولسه الرحلة مكملة مرّت الشهور بسرعة، وبقى بيت الوعد مليان حياة.
الياسمينة اللي زرعناها كبرت، وبدأت أول زهورها البيضاء تطلع مع أول نسمة ربيع.
وفي كل مرة كان شريف يسافر، كان قبل ما يخرج يلمس الياسمينة ويقول ضاحكًا
خلي بالكِ منها... دي شاهدة على كل وعودنا.
وأول ما يرجع، أول حاجة يعملها إنه يروح يبص عليها.
في يوم إجازة، كنا قاعدين في الجنينة نشرب الشاي، وفجأة قال
إيه رأيك نعمل عادة جديدة؟
سألته
زي إيه؟
قال
كل عيد جواز، نكتب رسالة لبعض، ونحطها في الصندوق اللي في المكتبة، وممنوع حد يقرأها إلا بعد خمس سنين.
ضحكت.
يعني هنبعت رسايل لنفسنا في المستقبل؟
قال
بالظبط... عشان نفتكر إحنا كنا بنحلم بإيه، ونشوف حققنا منه كام حاجة.
أعجبتني الفكرة.
دخلنا المكتبة، وكل واحد قعد في ركن وبدأ يكتب.
كنت كل شوية أبصله، وهو يخبّي الورقة بإيده ويضحك.
بعد حوالي نص ساعة، خلصنا.
حطينا الرسالتين في ظرف واحد، وكتبنا عليه
يُفتح في عيد جوازنا السابع عشر.
وقفلناه، وحطيناه في آخر الصندوق.
وأول ما قفلنا الغطا، رن جرس الباب.
فتح شريف.
كان ساعي البريد.
ناولنا ظرفًا أنيقًا، وقال
دعوة لحضور احتفال.
فتحنا الظرف.
كان من شركة الطيران.
دعوة لتكريم شريف بعد سنوات طويلة من الطيران، تقديرًا لالتزامه وسجله المهني المميز.
بصيتله بفخر.
قلت
أنا أول واحدة هتكون موجودة.
ابتسم وقال
بس المرة دي... متحجزيش تذكرة في السر.
ضحكت من قلبي.
أوعدك.
لكن جوايا كنت بفكر...
إن المفاجآت الجميلة عمرها ما كانت في التذاكر، ولا في الهدايا، ولا حتى في البيوت.
كانت في إن كل يوم جديد، كنا بنختار نكمل الرحلة مع بعض بنفس
هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.