محدش من الجرسونات
ورشّة زيت زيتون.
ورغيف عيش دافي.
أكل العاملين.
مش موجود في المنيو أصلًا.
حطته قدامه.
ومعه كباية مية بليمون.
بص للطبق فترة طويلة.
وبعدين أخد أول معلقة.
وأكل.
وأكل.
وأكل.
لحد ما خلص الطبق كله.
بعدها قام.
ظبط الجاكيت.
ومشي من غير كلمة.
المطعم كله رجع يتنفس.
ونورا افتكرت إن الموضوع خلص.
لكنها كانت غلطانة.
بعد يومين
ياسين هلال رجع.
وأول حاجة قالها للمضيفة كانت
نورا موجودة؟
قلبها اتقبض.
لأن آخر حاجة كانت نفسها فيها
إن راجل زي ده يفتكر اسمها.
وقفت قدامه تاني.
قال بهدوء
مساء الخير يا نورا.
مساء النور يا فندم.
حطت قدامه كباية مية بليمون.
لاحظ إنها فاكرة.
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
وسأل
إيه أحسن حاجة عندكم النهارده؟
لكن المرة دي
كان واضح إنه ماكانش
أكيد، دي خاتمة مناسبة للقصة من غير مبالغة ، وبنهاية فيها رسالة إنسانية
بصتله نورا ثواني قبل ما ترد.
وقالت بهدوء
أحسن حاجة عندنا النهارده؟ الشوربة.
رفع حاجبه باستغراب.
الشوربة؟
هزت راسها.
آه. الجو برد، والمطر ما وقفش
من الصبح. والواحد ساعات بيحتاج حاجة تدفيه مش أكتر.
فضل باصصلها لحظة.
وبعدين قال
هاتيلي الشوربة.
ومن يومها بقى ييجي كل أسبوع تقريبًا.
مش كل مرة يطلب
نفس الأكل.
لكن كل مرة كان يطلب نفس الترابيزة.
وترابيزة 11 بقت لأول مرة مكان هادي.
لا أطباق بترجع.
ولا جرسونات بتعيط.
ولا مدير مطعم بيستخبى ورا الأعمدة.
الغريب إن ياسين نفسه بدأ يتغير.
بقى يشكر العمال.
ويسأل على أحوال الناس.
ويسيب بقشيش محترم من غير استعراض.
لدرجة إن العاملين بقوا مستغربين.
وفي يوم، بعد حوالي شهرين، كان المطعم فاضي
ونورا كانت بترتب الطاولات.
ناداها ياسين.
ممكن أقعد دقيقة؟
قعدت على الكرسي المقابل باحترام.
وسألته
تحت أمرك.
لف كوب المية بين صوابعه وقال
إنتِ يومها قولتي إن المشكلة
مش في الأكل.
سكت شوية.
كنتِ تقصدي إيه؟
تنهدت نورا.
وقالت
حضرتك كنت داخل كل يوم تدور على حاجة مش موجودة.
زي إيه؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
راحة بال.
لأول مرة ضحك ضحكة حقيقي
مش ضحكة مجاملة.
وقال
يمكن.
وبعدين بص من الشباك للمطر.
وأضاف
مراتي كانت بتحب السمك.
اتجمدت نورا للحظة.
فكملت هي بهدوء
الله يرحمها.
هز راسه.
وعينيه سرحت بعيد.
ماتت من سنتين.
أول مرة قالها لحد في المطعم.
وأول مرة حد فهم سبب الطبق اللي كان بيرجعه كل مرة.
ماكانش السمك وحش.
كان مجرد بيفكره بحد فقده.
ولأنه ما عرفش يتعامل مع وجعه
كان بيطلع غضبه
في أي حد حواليه.
سكتوا شوية.
وبعدين قال
الغريب إنك أول
ابتسمت نورا
يمكن علشان ماكانش عندي حاجة أخسرها.
هز راسه بإعجاب.
وبعدها بأيام قليلة حصل شيء محدش توقعه.
وصل إعلان رسمي لكل العاملين.
شركة ياسين هلال اشترت المطعم بالكامل.
الكل اتوتر.
وافتكروا إن أيام صعبة جاية.
لكن أول اجتماع كان مفاجأة.
ياسين وقف قدام الموظفين وقال
محدش هيتفصل.
بالعكس.
المرتبات هتزيد.
والتأمين الطبي هيبقى أفضل.
وأي حد عنده شكوى بابي مفتوح ليه.
الناس بصت لبعضها بعدم تصديق.
ثم أضاف
وفي شخص معين عايز أشكره.
وبص ناحية
نورا.
هي اتوترت فورًا.
قال
الست دي فكرتني بحاجة مهمة جدًا.
إن الناس محتاجة حد يسمعها قبل ما يحكم عليها.
وإن الحقيقة أحيانًا بتتقال بهدوء أكتر ما بتتقال بالصوت العالي.
صفق العاملون كلهم.
أما نورا فاحمر وشها من الإحراج.
وبعد سنة كاملة
بقت مشرفة على فرع جديد من المطعم.
واتعلمت إدارة الأعمال.
وكملت دراستها اللي كانت مضطرة توقفها زمان.
أما ياسين
فبطل يقعد لوحده على ترابيزة 11.
وبقى يقعد وسط الناس.
ويطلب أكله ويخلصه كله.
وأحيانًا كان يرفع رأسه ناحية المطبخ ويبتسم.
لأنه افتكر الدرس اللي غير حياته
مش كل شخص غاضب محتاج حد يخاف منه.
بعض الناس محتاجة فقط حد يقول لها الحقيقة في الوقت المناسب.
النهايه