سافرت ثماني ساعات
سافرت ثماني عشرة ساعة عشان أحضر فرح أخت جوزي، ولما وصلت القاعة وقفني حمايا على الباب وقال العيلة بس أنتِ مش معزومة، وبعد يومين اتصل جوزي يطلب مني أدفع 41 ألف دولار.
في مصر كان اسمي مايا، متزوجة من جاسر منذ أربع سنوات، وكنت أظن أنني جزء من عائلته، رغم كل النظرات الباردة والكلام المغلف بالمجاملة الذي كنت أسمعه من أهله.
عندما قررت أخته بسمة إقامة فرحها في قاعة فاخرة على الساحل، طلب مني جاسر أن أسافر رغم ضغط عملي، وقال لي إن وجودي مهم وإن العائلة كلها تنتظرني.
حجزت تذكرة في آخر لحظة، دفعت ثمن الفندق من جيبي، اشتريت فستانًا أسود أنيقًا، وحملت هدية غالية لبسمة، وقلت لنفسي إنني سأحاول فتح صفحة جديدة مع عائلته.
وصلت بعد سفر طويل وتأخير وترانزيت وتعب، كنت بالكاد أقف على قدمي، لكنني رتبت شعري وابتسمت ودخلت بوابة قاعة روز هاوس وأنا أحمل الهدية بين يدي.
عند الباب وقف الحاج فؤاد، والد جاسر، نظر إليّ من فوق لتحت، ثم وضع يده أمامي وقال بصوت سمعه الموظفون والضيوف العيلة بس أنتِ مش معزومة.
تجمدت في مكاني، وظننت في البداية أنه يمزح مزحة ثقيلة، فالتفت نحو جاسر الذي كان واقفًا قرب باب القاعة ببدلته الكحلي ووجهه شاحب.
همست باسمه جاسر؟
لكنه لم يتحرك، لم يدافع عني، لم يقل لأبيه إنها زوجتي، لم يمد يده حتى ليأخذ مني الهدية، فقط نظر إلى الأرض كأنني عار يريد أن يختفي.
ضحكت بعض قريباته بصوت خافت، وسمعت واحدة تقول واضح إنها فهمت مكانها أخيرًا.
خرجت من القاعة وأنا مكسورة، أمشي ببطء فوق الرخام اللامع والناس تتظاهر أنها لا تنظر إليّ، بينما كانت الموسيقى من الداخل تزداد صخبًا كأن فرحهم بدأ بإهانتي.
رجعت إلى الفندق،
في صباح اليوم الثاني، رن هاتفي بعنف الساعة السادسة والربع، وكان جاسر على الخط، لا يسأل أين أنا ولا كيف قضيت ليلتي، بل يصرخ القاعة طالبة واحد وأربعين ألف دولار، هتدفعيهم إزاي؟
جلست على طرف السرير وأنا ما زلت أرتدي الفستان الأسود، وقلت ببرود أدفع إيه يا جاسر؟
قال بسرعة بابا بيقول إن باقي الحساب كان المفروض يتحط على كارتك، وبسمة منهارة، والقاعة رافضة تسلم الورق النهائي قبل الدفع.
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة، لأنني فهمت أخيرًا أن حضوري لم يكن مطلوبًا كزوجة، بل كمحفظة بنكية يرمونها خارج الباب بعدما تنتهي مهمتها.
قلت له أنا وافقت أساعد في التحضيرات، مش أسافر ثماني عشرة ساعة عشان أتهان قدام الناس وأتحاسب كأني الممولة الرسمية للفرح.
ارتبك صوته فجأة وقال ما تلفيش الكلام يا مايا، أنتِ وعدتينا.
وقتها وصلني إشعار من البنك تم رفض محاولة سحب بمبلغ 41208 73 دولار من بطاقتك.
لم ألحق أن أتنفس حتى وصلتني رسالة ثانية من رقم غريب، كانت من كارلا مديرة القاعة، تسألني إن كان التوقيع الموجود على تصريح الدفع باسمي يخصني فعلًا.
فتحت المرفق ويدي ترتجف، وفي آخر العقد وجدت اسمي مكتوبًا بخط مشوه لا يشبهني، وتحت اسمي توقيع شاهد باسم جاسر.
سألتني كارلا في الرسالة هل توافقين على تأكيد الدفع أم نعتبر التوقيع غير صحيح؟
في تلك اللحظة فهمت لماذا صمت جاسر وهو يراني أُهان أمام الجميع، فهمت أنهم لم يريدوني عروسًا من العائلة، بل بطاقة دفع تمشي على قدمين.
قلت له بهدوء وصلك إشعار الرفض يا جاسر؟
صمت ثواني، ثم قال بصوت منخفض مايا، اسمعيني، الموضوع اتلخبط، بابا كان فاكر إنك موافقة.
قلت لا يا جاسر، أبوك لم يخطئ، أنتم زورتم توقيعي، وأنت وقعت شاهدًا على كذبة ستدفع ثمنها غاليًا.
بدأ صوته يرتجف أرجوكِ لا تكبري الموضوع، الفرح كله ممكن يبوظ، والناس هتتكلم.
قلت له الناس اتكلمت لما طردتموني من الباب، والآن سأجعلهم يسمعون الحقيقة من أولها.
أرسلت العقد فورًا إلى المحامي، ثم كتبت لمديرة القاعة أن التوقيع مزور، وأن أي محاولة سحب أخرى ستُعامل كبلاغ رسمي.
بعد دقائق، اتصلت بي بسمة تبكي وتصرخ أنني خربت أجمل يوم في حياتها، فقلت لها بهدوء يومك خرب يوم وافقتِ أن يُهان إنسان ثم يُسرق باسمه.
وفي المساء، وأنا في طريقي إلى المطار، وصلتني رسالة صوتية من الحاج فؤاد نفسه، لم يكن يعتذر، بل يهددني بأن عائلة جاسر لا تُكسر بسهولة.
ابتسمت وأنا أسمع تهديده، لأن في حقيبتي لم يكن هناك فستان فقط، بل نسخة من عقد آخر وجدته بالصدفة يثبت أن جاسر استخدم اسمي في قرض أكبر بكثير من حساب القاعة.
وقبل أن أغلق الهاتف، وصلتني رسالة من كارلا تقول مدام مايا، هناك كاميرا في مكتب التوقيع صورت الشخص الذي كتب اسمك على العقد والمفاجأة أنه لم يكن جاسر وحده.
وقفت الرسالة قدام عيني كأنها صفعة جديدة أقوى من كل اللي فات.
المفاجأة أنه لم يكن جاسر وحده
قلبت الشاشة بإيد مرتعشة، ورجعت شغلت الرسالة الصوتية تاني من كارلا، وقلبي بيخبط بسرعة مش طبيعية.
صوتها كان هادي، بس فيه توتر واضح مدام مايا الكاميرا في مكتب التوقيع سجلت كل حاجة. اللي كتب اسمك على العقد كان شخصين واحد منهم كان جاسر، لكن اللي وجهه على الورق ووجّه التوقيع كانت سيدة.
سكتت
والسيدة دي كانت بسمة.
حسّيت الأرض بتسحبني من تحت رجلي.
بِسمة؟ أخت جوزي؟ اللي كنت شايلة لها هدية وبسافر عشانها؟
رجعت افتح الفيديو اللي اتبعتلي من القاعة، ويدي بتتهز صورة مشوشة في البداية، مكتب صغير جنب القاعة، ورق بيتقلب بسرعة، وجاسر واقف بيبص حواليه.
وبسمة داخلة عليه، ماسكة القلم، وبتقول له بهمس واضح من حركة الشفايف اكتبها باسمها وخلاص هي مش هتراجع، دي فاكرة نفسها مننا.
في اللحظة دي، توقيعي اتكتب.
مش بإيدي بإيدهم هما الاتنين.
قفلت الفيديو وأنا مش قادرة أتنفس، وكل اللي في دماغي جملة واحدة إحنا مش بس اتهانّا إحنا اتخطط لينا.
جالي اتصال تاني من المحامي.
صوته كان جاد جدًا مايا اللي عندك ده مش مجرد تزوير توقيع. ده اشتراك في احتيال مالي وقرض باسمك بمبلغ كبير جدًا. ولو ثبت، ده قضية جنائية كاملة.
سكت لحظة، وبعدين قال بس في حاجة أهم البنك اللي تابع له القرض بدأ يحقق. وطلبوا حضور جاسر وبسمة فورًا.
وقبل ما أرد، وصلت رسالة من رقم مجهول
لو رجعتي مصر، هتفهمي إن اللي حصل في الفرح كان أهون جزء.
رفعت عيني من الشاشة ببطء
وابتسمت لأول مرة من ساعة ما القصة بدأت.
مش ابتسامة فرح لكن ابتسامة حد لسه لقى بداية الطريق الحقيقي للانتقام في نفس اللحظة اللي وصلتني فيها الرسالة، حسّيت إن اللعبة بدأت تاخد شكل أخطر بكتير من مجرد فرح واتحسابات.
قفلت الهاتف دقيقة وبصيت للسقف كأني بحاول أرتب أفكاري.
بس كل حاجة كانت واضحة هم ما سرقوش توقيعي بس دول كانوا بيبنوا عليا قضية كاملة لو ما انتبهتش.
رجعلي اتصال من المحامي تاني، لكن المرة دي صوته كان مختلف أسرع، أقل هدوء
مايا، اسمعيني كويس. البنك قرر يجمّد كل الإجراءات